النص الكامل لإميل بنفنست: «طبيعة العلامة اللسانية»
«يقول سوسير إن العلامة تجمع، لا بين شيء واسم، بل بين مفهوم وصورة سمعية؛ لكنه يقرر فوراً بعد ذلك أن طبيعة العلامة اعتباطية؛ لأنه ليس للعلامة مع المدلول أي رابط طبيعي في الواقع.
وإنه لمن الواضح تماماً أن الاستدلال هنا تشوبه مغالطة؛ ذلك لأن سوسير، بعد أن عرّف العلامة بدقة بأنها تركيب من دال ومدلول، ينتقل على نحو غير واعٍ ولا إرادي، حين ينتقل إلى إثبات الطابع الاعتباطي للعلامة، إلى مقارنة الدال لا بالمدلول، بل بالشيء الواقعي المسمى (أي المرجع).
إن الرابط بين الدال والمدلول ليس اعتباطياً، بل على العكس من ذلك، إنه رابط ضروري تماماً. فالمفهوم (المدلول) "ثور" bœuf يتحد بالضرورة، في ذهني، بمجموع الأصوات (الدال) b-ö-f. كيف يمكن أن يكون الأمر خلاف ذلك؟ فكلاهما قد طُبعا معاً في ذهني؛ ويستحضران معاً في كل ظرف، ويستدعي أحدهما الآخر بصرامة متناهية. هناك تلاحم وثيق بين التمثل الذهني والصوت اللغوي لدرجة أنهما يشكلان وحدة لا تنفصم، كما تنطبق نقطة هندسية على نقطة هندسية أخرى.
إن الذهن لا يقبل شكلاً صوتياً فارغاً من أي معنى؛ كما أنه عاجز عن تصور فكرة أو مفهوم دون أن يتموضع في قالب دالٍّ محدد. إن الفكر واللغة لا ينفصلان في الوعي، فهما يوجدان معاً كوجهي قطعة الورقة الواحدة، كما عبّر سوسير نفسه.
إن ما هو اعتباطي حقاً، وما لا يمكن تعليله برابط طبيعي، هو تطبيق علامة لسانية معينة بكاملها (دال + مدلول) على واقع عيني محدد في العالم الخارجي. إن القول بأن العلامة غير معللة يصح فقط حين نقارن الكلمة بالواقع الموضوعي: فلا يوجد أي سبب فيزيائي أو رابط عضوي يفرض أن يُسمى الحيوان ذو الأربع قوائم بـ bœuf في الفرنسية، وOchs في الألمانية. إن التنوع اللغوي واختلاف التسميات بين الشعوب دليلٌ على اعتباطية الصلة بين العلامة والمرجع الخارجي، لا بين عنصري العلامة ذاتها.
أما داخل حدود النسق اللساني ذاته، وفي البنية الذهنية للمتكلم، فإن الرابط بين الدال والمدلول ليس اعتباطياً بأي حال؛ بل هو ضرورة مطلقة تحكم التفكير والتواصل.» إميل بنفنست: «طبيعة العلامة اللسانية».
المطلوب: اكتب مقالا فلسفيا تعالج فيها مضمون النص.
فهم النص:
أسئلة حول النص:
1- 1- ما الفارق الجوهري في النص بين «المدلول» و«المرجع»؟
2- 2- ما المغالطة الاستدلالية التي ينسبها إميل بنفنست إلى فرديناند دي سوسير في
إثبات اعتباطية العلامة؟
3- 3- لماذا يصف بنفنست الصلة بين الدال والمدلول بأنها «ضرورية تماماً»، وبأي
تشبيهات جسّد هذا التلاحم؟
4- 4- أين يكمن الطابع الاعتباطي الفعلي للغة حسب النص، وكيف وظّف الكاتب اختلاف
التسميات بين اللغات (مثل الفرنسية والألمانية) لإثبات ذلك؟
5- 5-كيف يوفق النص بين الضرورة الذهنية
داخل النسق اللساني والاعتباطية الاجتماعية تجاه العالم الخارجي؟
تحليل النص:
طرح المشكلة:
يندرج النص الماثل أمامنا ضمن
مباحث فلسفة المعرفة، حيث ظلت إشكالية الصلة بين الألفاظ ومعانيها محل نقاش معرفي
واسع بين الاتجاه الطبيعي التلازمي والاتجاه الاصطلاحي الاعتباطي. منذ الفلسفة
اليونانية مع أفلاطون، أما في العصر الحديث فقد أخذ الموضوع بعدا آخر مع رواد
اللسانيات الحديثة، مثل السويسري فرديناند دي سوسير الذي قرر أن الرابط بين الدال
والمدلول اعتباطي تحكمي، وهو الأمر الذي لم يرق للساني الفرنسي إميل بنفنست 1902- 1976الذي تصدى لهذا التصور بالنقد والتمحيص في سياق مقاربة جديدة
للبنية اللسانية الداخلية للغة. عبر سؤال مفاده: هل العلاقة بين الدال والمدلول
داخل العلامة اللسانية اعتباطية أم ضرورية؟ وما المأخذ المنطقي الذي وجّهه بنفنست
لأطروحة دو سوسير؟ وإلى أي حد يمكن اعتبار التلازم بين الصوت والفكرة حتمية ذهنية
مطلقة؟
محاولة حل المشكلة
1. موقف صاحب النص:
يؤكد إميل بنفنست أن العلاقة
التي تربط بين الدال (الصورة السمعية) والمدلول (المفهوم الذهني) داخل النسق
اللساني وفي ذهن المتكلم هي علاقة ضرورية وتلازمية مطلقة وليست اعتباطية بأي حال.
في المقابل، يرى أن صفة الاعتباطية لا تصدق إلا على علاقة العلامة اللسانية ككل
بمرجعها الخارجي العيني في العالم الواقعي. ورد ذلك في قوله: (فإن
الرابط بين الدال والمدلول ليس اعتباطياً بأي حال؛ بل هو ضرورة مطلقة تحكم التفكير
والتواصل).
2. حجج وبراهين صاحب النص:
اعتمد بنفنست على منظومة
استدلالية تجمع بين الأدلة العقلية والتحليل اللساني، فقد اعتمد البرهان بالخلف،
حينما بيّن أن استدلال دو سوسير شابه انزلاق غير واعٍ؛ فهو قد عرّف العلامة بأنها
اتحاد ذهني بين دال ومدلول، لكنه حين حاول إثبات اعتباطيتها، قارن الدال بالشيء
الخارجي (المرجع) بدلاً من مقارنته بالمدلول الذهني، مما ينسف سلامة الاستنتاج. أما في جانب اللساني فقد أ كد أن الدال
والمدلول يُطبعان معاً في الوعي منذ اكتساب اللغة؛ فلا يستحضر الذهن صورة صوتية
ككلمة «ثور» دون أن يقترن بها فوراً مفهومها، ولا يمكن تصور فكرة مجردة دون وعاء
لفظي، ممثلاً لذلك بـ«انطباق نقطة هندسية على أخرى» وبتشبيه سوسير نفسه لـ«وجهي
قطعة الورقة الواحدة». وقد فسّر
اختلاف اللغات (تسمية الحيوان بـ bœuf في الفرنسية وOchs في الألمانية) بأنه
دليل يثبت غياب أي رابط طبيعي أو فيزيائي بين العلامة بكاملها والواقع المستقل،
مؤكداً أن هذا التعدد يخص اعتباطية التسمية مع العالم الخارجي لا الرابط الداخلي
بين عنصري العلامة.
جاء النص على الصياغة المنطقية
التالية:
إما أن تكون علاقة الدال
بالمدلول طبيعية حقيقية، او اعتباطية تحكمية.
لكنها ليست تحكمية اعتباطية.
إذن علاقة الدال بالمدلول طبيعية
حقيقية.
نقد
الحجج والبراهين:
وفق بنفنست في فك الالتباس
الفكري الكلاسيكي بين المعنى الذهني والمرجع الواقعي، وإعادة الاعتبار للوحدة
العضوية بين الفكر واللغة؛ إذ أثبت أن الذهن البشري لا يشتغل بأصوات جوفاء ولا
بمعانٍ هائمة دون قوالب رمزية تلازمها بالضرورة داخل النظام اللغوي الواحد. لكنه
بالغ في الاقرار بالضرورة المطلقة؛ فلو كانت الصلة بين اللفظ والمعنى ضرورية حتمية
بالمطلق لما تطورت المعاني اللغوية عبر التاريخ، ولما تعددت الدلالات المجازية
للفظ الواحد داخل النسق نفسه، ولما أمكن استحداث مفردات جديدة للتعبير عن أفكار
مبتكرة، مما يدل على بقاء البعد الاصطلاحي حاضراً في جوهر الفعل اللغوي.
الرأي الشخصي:
يبدو لي أن بنفنست حاول أن يوضح
حقيقة العلاقة التي تربط بين الدال والمدلول، فحصر الاعتباط في علاقة اللفظ
بالواقع الخارجي أو الأشياء، بينما أقر بالتلازم بين الدال والمدلول داخل العلامة
اللغوية، و.
حل المشكلة
يتبين في الأخير أن إشكالية طبيعة العلامة اللسانية تقتضي تمييزاً منهجياً حاسماً بين مستويين، المستوى اللساني الداخلي، أين تكون العلاقة بين الدال والمدلول ضرورية وتلازمية حتمية؛ إذ لا ينفصل الصوت عن معناه في وعي المتكلم وداخل حدود النسق القائم. والمستوى الاجتماعي والتواصلي الخارجي، أين تظل الصلة بين مجموع العلامة اللسانية والمرجع الواقعي اعتباطية واصطلاحية؛ لأن المجتمعات هي التي تواضعت تاريخياً على ربط هذه الوحدات اللغوية بأعيان العالم الخارجي. ما يعني فإن أطروحة إميل بنفنست صححت مسار البحث اللساني بإثباتها أن الاعتباطية تخص نشأة الدلالة في الواقع، بينما تحكم الضرورة اشتغال الدلالة داخل الذهن.

