مقالة فلسفية: علاقة الدال بالمدلول (تحليل نص) بكالوريا الجزائر

ابو محمد المعتصم
الصفحة الرئيسية

 النص لالدكتور عزمي طه السيد أحمد، فلسفة اللغة

«وإطلاق الاسم على المسمّى كأيّ عمل آخر، يتمّ بصورة متفاوتة من الإتقان؛ فالاسم يكون في أكمل حالاته إذا كان تعبيره عن طبيعة الشيء تامّاً، ويكون أدنى إذا كان التعبير ناقصاً أو جزئياً، ويكون خاطئاً أو مضلِّلاً إذا لم يعبّر البَتَّةَ عن طبيعة الشيء. (...) ويلجأ أفلاطون في ذلك إلى ضرب الأمثلة لتوضيح رأيه في هذه المسألة فيقول: في حالة الصمّ والبكم يتمّ التواصل عن طريق إيماءات وحركات بالأيدي أو الرأس أو أعضاء الجسم الأخرى، نُقَلِّد بها طبيعة الشيء الذي ننقل عنه المعلومات؛ والاسم شبيه بهذا، إنّه نوع من محاكاة الشيء يتمّ فقط بواسطة الصوت الذي يظهر في شكل حروف ومقاطع. إنّ الموسيقى محاكاة صوتية لكنّها ليست محاكاة بالحروف والمقاطع، وكذلك تقليد أصوات الأغنام والديكة أو غيرها من الحيوانات تقليد، لكنّه لا يتمّ بالحروف والمقاطع، وبالتالي فنحن لا نسمّي الأشياء بالموسيقى ولا بتقليد أصواتها، وإنّما بالأسماء المكوّنة من حروف ومقاطع صوتية، وإذا استطاع شخص ما أن يُحاكي الطبيعة الجوهرية للأشياء بواسطة الحروف والمقاطع، فإنّه عندئذ يكون قد أشار إليها ودلّ عليها كما هي في الواقع، أو بلفظٍ آخر قد أطلق عليها أسماءها الصحيحة.»

المرجع: الدكتور عزمي طه السيد أحمد، فلسفة اللغة: دراسة تحليلية لمحاورة أفلاطون «كراتيلوس»، ص 49–52.



بطاقة فنية للمقال

مقالة فلسفية في تحليل النص (علاقة الدال بالمدلول بين المحاكاة الطبيعية والاعتباطية اللسانية).

صاحب النص: الأستاذ الدكتور عزمي طه السيد أحمد (أستاذ الفلسفة والفكر الإسلامي، ومؤلف دراسة ومترجم محاورة «كراتيلوس» لأفلاطون).

المستوى والشعبة: بكالوريا التعليم الثانوي – شعبة آداب وفلسفة.

الصيغة: الإنشاء الفلسفي المسترسل 

طرح المشكلة

يعيش الإنسان في وسط طبيعي واجتماعي يفرض عليه الدخول في شبكة من العلاقات التواصلية مع غيره لتبليغ أفكاره والتعبير عن مقاصده وحاجاته، ولا يتحقق هذا التواصل إلا بفضل أداة رمزية راقية هي اللغة. غير أن اللغة ليست مجرد أصوات جوفاء، بل هي نسق من العلامات اللسانية التي تتألف كل علامة منها من شقين متلازمين: الدال (اللفظ أو الصورة الصوتية المسموعة) والمدلول (المعنى أو التصور الذهني للشيء المسمّى). وقد أثار البحث في أصل التسمية وطبيعة الرابطة التي تجمع بين الاسم والمسمّى جدلاً فلسفياً ولسانياً عريقاً، امتد من الفلسفة اليونانية القديمة إلى اللسانيات المعاصرة، بين من يرى أنها علاقة طبيعية ضرورية ومن يذهب إلى أنها علاقة اصطلاحية تحكمية. وفي هذا الإطار الفلسفي واللساني يتنزل النص الذي بين أيدينا لصاحبه الأكاديمي والباحث العربي المعاصر الدكتور عزمي طه السيد أحمد، المقتطف من مؤلفه «فلسفة اللغة: دراسة تحليلية لمحاورة أفلاطون كراتيلوس»، حيث دَفعهُ السجال الفلسفي الدائر في محاورة كراتيلوس (بين سقراط وهيرموجينس وكراتيلوس) إلى تحليل الأسس الحجاجية التي بنى عليها أفلاطون تصورهُ لمدى مطابقة الأسماء لطبائع الأشياء. وعليه، وللكشف عن مضمون النص وأبعاده النقدية نطرح الإشكال الآتي: هل العلاقة بين الدال (الاسم) والمدلول (المسمى) علاقة طبيعية ضرورية قائمة على محاكاة جوهر الأشياء، أم أنها علاقة اعتباطية اصطلاحية؟ وبعبارة أخرى: إلى أي مدى يصيب الاسم حقيقة المسمى وطبيعته الجوهرية من خلال حروفه ومقاطعه الصوتية؟

2. محاولة حل المشكلة

أ) موقف صاحب النص: 

يوضح صاحب النص الدكتور عزمي طه السيد أحمد، من خلال تحليله لمحاورة كراتيلوس لأفلاطون، أن العلاقة التي تربط بين الاسم (الدال) والمسمّى (المدلول) هي علاقة طبيعية ضرورية وذاتية؛ فالاسم الصحيح ليس علامة عشوائية توضع كيفما اتفق، بل هو أداة تصويرية تحاكي الطبيعة الجوهرية للشيء المسمّى بواسطة الحروف والمقاطع الصوتية، وتتفاوت الأسماء في صحتها وإتقانها بقدر اقترابها أو ابتعادها عن تمثيل ماهية الشيء في الواقع. ويتجلى هذا الموقف صراحةً في مطلع النص وخاتمته، وذلك في قول صاحب النص: «فالاسم يكون في أكمل حالاته إذا كان تعبيره عن طبيعة الشيء تامّاً»، وكذلك في قوله في نهاية النص: «وإذا استطاع شخص ما أن يُحاكي الطبيعة الجوهرية للأشياء بواسطة الحروف والمقاطع، فإنّه عندئذ يكون قد أشار إليها ودلّ عليها كما هي في الواقع، أو بلفظٍ آخر قد أطلق عليها أسماءها الصحيحة».

ب) الحجج والبراهين:

لتأسيس هذا الموقف وتبريره، اعتمد صاحب النص في عرضه لتحليل أفلاطون على جملة من الحجج المنطقية والتمثيلية المتدرجة، حيث يبيّن الكاتب أن وضع الأسماء للمسميات ليس عملاً عفوياً أو فوضوياً، بل هو أشبه بالصناعة أو الحرفة الدقيقة التي يقوم بها «مشرّع الأسماء»، والتي تخضع لمعيار الجودة والإتقان؛ فكما تتفاوت الأعمال البشرية بين الكمال والنقص والفساد، كذلك يتدرج الاسم في قيمته الدلالية: فيكون تاماً كاملاً إذا طابق ماهية الشيء، وناقصاً إذا عبّر عن جزء منها فقط، وباطلاً مضللاً إذا انقطع تماماً عن طبيعة المسمى. كما وظف حجة المماثلة بالصناعة ومعيار الإتقان وتتمثل في قول صاحب النص: «وإطلاق الاسم على المسمّى كأيّ عمل آخر، يتمّ بصورة متفاوتة من الإتقان... ويكون أدنى إذا كان التعبير ناقصاً أو جزئياً، ويكون خاطئاً أو مضلِّلاً إذا لم يعبّر البَتَّةَ عن طبيعة الشيء». وقد وظف أيضا حجة القياس التمثيلي بلغة الإشارة عند الصم والبكم أين يستند إلى قياس تمثيلي حسّي يقرّب به أفلاطون فكرة المحاكاة؛ ففاقدو النطق والسمع حين يعجزون عن الكلام الصوتي يلجؤون إلى محاكاة الأشياء بحركات أيديهم ورؤوسهم وأجسادهم (كالإشارة إلى الأعلى للدلالة على الخفة والسمو، أو إلى الأسفل للدلالة على الثقل)، واللغة المنطوقة تسلك المسلك ذاته، غير أن أداة المحاكاة فيها هي اللسان والصوت المتشكل في حروف ومقاطع. واعتمد حجة القياس التمثيلي بلغة الإشارة عند الصم والبكم  وتتبدى في قوله: «في حالة الصمّ والبكم يتمّ التواصل عن طريق إيماءات وحركات بالأيدي أو الرأس أو أعضاء الجسم الأخرى، نُقَلِّد بها طبيعة الشيء... والاسم شبيه بهذا، إنّه نوع من محاكاة الشيء يتمّ فقط بواسطة الصوت».واعتمد على حجة التمييز الفارق بين التقليد الصوتي السطحي والمحاكاة الجوهرية بالحروف أين يدفع النص التباساً قد يقع فيه الذهن بين المحاكاة اللغوية والمحاكاة الصوتية الساذجة؛ فالموسيقى وتقليد أصوات الحيوانات (كثغاء الأغنام وصياح الديكة) هي محاكاة للعرض الخارجي والصوت المسموع فقط ولا تُعدّ تسميةً فلسفيةً أو لغوية، أما الاسم الحقيقي فهو الذي يعتمد على الحروف والمقاطع الصوتية ليحاكي الطبيعة الجوهرية (الماهية) للأشياء لا مجرد أعراضها الصوتية. كما وظف حجة التمييز الفارق بين التقليد الصوتي السطحي والمحاكاة الجوهرية بالحروف وتظهر في قوله: «إنّ الموسيقى محاكاة صوتية لكنّها ليست محاكاة بالحروف والمقاطع، وكذلك تقليد أصوات الأغنام والديكة... فنحن لا نسمّي الأشياء بالموسيقى ولا بتقليد أصواتها، وإنّما بالأسماء المكوّنة من حروف ومقاطع صوتية».

ج) النقد والتقييم: 

لقد أصاب الدكتور عزمي طه السيد أحمد في دقة عرضه التحليلي لموقف أفلاطون في محاورة كراتيلوس، حيث أبرز بعمق أن نظرية المحاكاة الأفلاطونية لا تقف عند حدود التقليد الساذج للأصوات الطبيعية، بل تغوص في تناسب الخصائص الصوتية للحروف مع جواهر الأشياء. ويجد هذا الطرح صدىً له في التراث اللغوي العربي عند ابن جني في كتابه «الخصائص» حين تحدث عن «مناسبة الألفاظ للمعاني» واشتقاق الأصوات من أحداث الطبيعة (كالخرير للماء، والصلصلة للحديد، والصرير للريح)، كما أيد عالم اللسانيات الفرنسي المعاصر إميل بنفنيست (Émile Benveniste) ضرورة العلاقة بين الدال والمدلول من الزاوية النفسية والذهنية لدى المتكلم، مؤكداً أن الدال والمدلول ينطبعان معاً في الذهن كوجهي العملة الواحدة، يقول بنفنيست: «إن العلاقة بين الدال والمدلول ليست اعتباطية، بل هي على العكس من ذلك علاقة ضرورية». غير أن ما يُؤخذ على هذا التصور الطبيعي الذي عرضه النص هو مبالغته في افتراض وجود تطابق جوهري بين الحروف وماهيات الأشياء؛ إذ يصطدم هذا الطرح بـ حجة تعدد اللغات البشرية رغم وحدة الطبيعة والأشياء المسمّاة، فلو كانت الأسماء تحاكي الطبيعة الجوهرية للأشياء بالضرورة، لَكَانَتْ لغة البشر واحدة في كل زمان ومكان، وهو ما يكذبه الواقع اللساني (حيث يُسمّى الشيء الواحد في العربية «شجرة»، وفي الفرنسية «Arbre»، وفي الإنجليزية «Tree»). هذا وقد أثبت رائد اللسانيات الحديثة فرديناند دي سوسير (Ferdinand de Saussure)—مواصلاً خط هيرموجينس وأرسطو قديماً، وابن خلدون وجون لوك حديثاً—أن الرابطة التي تجمع بين الدال والمدلول هي رابطة اعتباطية اصطلاحية (تحكمية) نابعة من التواضع الاجتماعي والعرف، لا من جوهر الشيء المسمى؛ فالألفاظ التي تحاكي أصوات الطبيعة (Onomatopée) قليلة ونادرة ولا تشكل إلا هامشاً ضئيلاً في المعجم اللغوي، بل إنها هي الأخرى تختلف من لغة إلى أخرى. يقول دي سوسير: «إن الرابطة التي تجمع بين الدال والمدلول رابطة اعتباطية»، ويؤكد الفيلسوف إرنست كاسيرر (Ernst Cassirer) الطابع الرمزي غير المباشر للغة بقوله: «إن الأسماء الواردة في الكلام الإنساني لم توضع لتشير إلى أشياء بذاتها»، كما يرى عبد الرحمن بن خلدون أن اللغات كلها ملكات شبيهة بالصناعة تحصل بالتواضع والاصطلاح.

د) الموقف الشخصي المؤسس:

ومن وجهة نظرنا الشخصية، نرى أن العلاقة بين الدال والمدلول لا يمكن اختزالها في المحاكاة الطبيعية المطلقة ولا في العشوائية الفردية المفتوحة؛ بل هي علاقة اصطلاحية النشأة، ضرورية الاستعمال. فقد نشأت الأسماء في أصل وضعها بالتواضع والاتفاق الاجتماعي دون قيد طبيعي مسبق، لكنها ما إن تستقر في لسان الجماعة وتترسخ في الذاكرة الجمعية للمتكلمين حتى تغدو إلزامية وضرورية وظيفياً ونفسياً، فلا يملك الفرد تغييرها من تلقاء نفسه إذا أراد أن يفهمه الآخرون.

3. حل المشكلة 

خلاصة القول، يتبيّن لنا من خلال تحليل نص الدكتور عزمي طه السيد أحمد أن إشكالية العلاقة بين الدال والمدلول قد كشفت عن ثراء الفكر الفلسفي واللساني في مقاربة الظاهرة اللغوية؛ فإذا كان النص قد أبرز التصور الأفلاطوني في محاورة كراتيلوس القائم على ضرورة محاكاة الاسم للطبيعة الجوهرية للمسمى بواسطة الحروف والمقاطع الصوتية، فإن تطور الدرس اللساني الحديث مع دي سوسير وبنفنيست قد تجاوز الطرح الطبيعي الخالص، ليؤكد أن اللغة إبداع رمزي إنساني: تبدأ علاقةُ الدال بالمدلول فيها اعتباطيةً تواضعيةً عند الوضع والنشأة، ثم تتحول إلى علاقة ضرورية ولازمة في الذهن والممارسة التواصلية داخل المجتمع الواحد.

علاقة الدال بالمدلول# تحليل نص فلسفي بكالوريا# محاورة كراتيلوس أفلاطون# فلسفة بكالوريا الجزائر# شعبة آداب وفلسفة#.

google-playkhamsatmostaqltradent